السيد محمد تقي المدرسي

58

من هدى القرآن

[ 29 ] وإنما اتبع هؤلاء الظن لأنهم اختاروا الدنيا على الآخرة ، فاكتفوا بالظن بدل العلم والحق ، وبالتمني بدل السعي ، وكل ذلك لأنهم لم يعترفوا بالمسؤولية ولم يبتغوا مرضاة الرب ، ولو آمنوا بالآخرة ، وظنوا أنهم ماثلون أمام ربهم للحساب غدا عن كل صغيرة وكبيرة ، لعرفوا أن الطريق إلى الحق هو العلم وليس الظن ، ولكنهم آمنوا بالدنيا فقط ، والدنيا هي حياة اللامسؤولية ، وعلى الداعية الرسالي ألَّا يبخع نفسه عليهم ، بل يتركهم وشأنهم فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا لأن مشكلة هذا النوع من البشر ليس عدم قناعته بالحق ، فهو يعلم أنه الهدى والصواب ، ولكنه يتولى عنه ابتغاء الدنيا ، وإنما أمر الله بالإعراض عنهم لكيلا يتأثر المؤمن بهم سلبيًّا ، فيغير من رسالته صوب الدنيا ، تنازلا عن بعض أهدافها ، أو من أجل إقناعهم باتباعها ، ثم إنه لا ينبغي للمؤمن أن يبدد جهوده الغالية فيما لا يرجو نفعا منه ، بل في ما يخدم الرسالة ، ويقدم المؤمنين خطوة إلى الانتصار . وقد قال تعالى : عَنْ ذِكْرِنَا وهي للتعظيم ، ولم يقل عن ذكري ، لأن الضمير المفرد يستخدمه الله في موضع إثبات التوحيد وتأكيده ، أو في مجال الرحمة والعطف ، والحال أن هؤلاء تكبروا عن الحق ، وتولوا معرضين عنه ، فالمقام مقام التعالي والتكبر عليهم مما يتناسب واستعمال ضمير التعظيم ( أو ما يسمى بضمير الجمع ) ، ذلك لأن إعراضهم لا ينال شيئا من عظمة الله ، كما أن إيمان المؤمنين لا يزيده سبحانه شيئا . وسمى القرآن هنا بالذكر لأنه في مقام علاج العقائد ، وهي قضايا وجدانية ، ولفظ الذكر بما يحويه من إيحاءات وإشارات لعلاقة القرآن بالفطرة البشرية أخدم للمعنى من غيره في هذا الموضع . كما تنطوي نهاية الآية : إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا على فكرتين مهمتين : الأولى : أن المؤمن يفترق عن الكافر والمشرك في قضية أساسية هي أن الأول يريد الدنيا والآخرة ، ويسعى لهما معا ، موفِّقاً بين الحق الذي يجب عليه الالتزام به ، وبين نصيبه الذي أحل الله له من الدنيا . الثانية : أن على المؤمن ألَّا يضعف أمام أعداء الله أو يتملق إليهم لأنهم ظفروا بشيء من حطام الدنيا ، فذلك حظهم ، بل يجب عليه أن يستمسك برسالته ، ويتصلب في ولائه للحق ، ويعرض عنهم ، لأنهم لا يملكون إلا هذه الدنيا الزائلة . [ 30 ] وإن عدم إرادة المعرضين عن الذكر للحياة الآخرة ليس ناشئا من حسن اختيارهم ، وإنما لجهلهم بتلك الحياة وما فيها من الثواب ، ولو علموا يقينا ما فيها من الفوز لأرادوها واشتدت فاقتهم إليها ، وعظمت رغبتهم فيها ، ولكنهم حصروا أنفسهم وحبسوا